٢٢ حزيران ٢٠٢٦ · All من ولادة الليرة المستقلة إلى اختبار إنترا: السنوات الأولى لمصرف لبنان (1964 – 1966)

شكّل الأول من نيسان عام 1964 محطة مفصلية في التاريخ المالي اللبناني، مع انتقال صلاحيات إصدار العملة وإدارة السياسة النقدية رسمياً إلى مصرف لبنان. وبعد سنوات من التحضير والإصلاحات التي أطلقت في عهد الرئيس فؤاد شهاب، دخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها السيادة النقدية الكاملة.

وقبيل انطلاق العمل الرسمي للمصرف المركزي، استكملت التحضيرات اللوجستية والإدارية في المقر الجديد الذي شُيّد في منطقة الحمرا خلال فترة قياسية. وفي الثلاثين من آذار 1964، تفقد الرئيس فؤاد شهاب المبنى الجديد الذي أُنجز ضمن الموازنة المقررة، ليصبح أحد أبرز معالم دولة المؤسسات التي سعى إلى ترسيخها.

وفي اليوم التالي، أُسدلت الستارة على مرحلة امتدت لعقود مع بنك سوريا ولبنان، وبدأ عهد الليرة اللبنانية التي يصدرها مصرف لبنان حصراً. كما انتقل نحو 320 موظفاً من بنك سوريا ولبنان إلى المؤسسة الجديدة، فيما تحوّل البنك السابق إلى مصرف تجاري عادي.

ومن أبرز المحطات الرمزية في تلك الليلة، عملية نقل احتياطي الذهب من خزائن بنك سوريا ولبنان في شارع رياض الصلح إلى خزائن مصرف لبنان الجديد، بإشراف الجيش اللبناني وقوى الأمن، في عملية أمنية دقيقة عكست أهمية الحدث وحساسيته.

خلال الأشهر الأولى، لاقت الليرة اللبنانية الجديدة إقبالاً واسعاً من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، فارتفع حجم النقد المتداول بنحو 6 في المئة. وفي الوقت نفسه، عمل مصرف لبنان على شراء العملات الأجنبية من السوق لتكوين احتياطاته وتعزيز استقرار العملة الوطنية.

لكن النجاح الأولي لم يلغِ التحديات. فمع توسع القطاع المصرفي وارتفاع عدد المصارف إلى 93 مصرفاً، بدأت تظهر مؤشرات اختلالات مالية في بعض المؤسسات. وسرعان ما واجهت السلطة النقدية الناشئة سلسلة أزمات مصرفية شملت البنك العقاري والبنك التجاري ومصرف سوجيكس، ما فرض تدخلاً سريعاً لتفادي انتقال العدوى إلى بقية القطاع.

وقد جرى احتواء هذه الأزمات عبر تطبيق القوانين التجارية القائمة، فتمت تصفية بعض المؤسسات المتعثرة وإخضاع أخرى لإجراءات حماية قانونية، في أول اختبار فعلي لقدرة مصرف لبنان والدولة على إدارة الأزمات المالية.

غير أن التحدي الأكبر كان لا يزال في الطريق. ففي خريف عام 1966، انفجرت أزمة بنك إنترا، أكبر مؤسسة مصرفية في لبنان والشرق الأوسط آنذاك. وكان البنك الذي أسسه يوسف بيدس قد بنى إمبراطورية مالية امتدت من لبنان إلى العواصم العربية والأفريقية والغربية، مستفيداً من تدفق الودائع العربية والفلسطينية بشكل خاص.

لكن التوسع السريع ترافق مع توظيفات طويلة الأمد ومشاريع ضخمة لم تترك هامشاً كافياً للسيولة النقدية. وعندما اندلعت أزمة الثقة في الأسواق المالية وبدأ المودعون المطالبة بأموالهم، وجد البنك نفسه عاجزاً عن تلبية السحوبات المتزايدة.

حاول مصرف لبنان التدخل عبر تقديم تسهيلات وسيولة طارئة مقابل ضمانات مصرفية، إلا أن حجم الأزمة تجاوز قدراته وحدود صلاحياته القانونية. ومع تعثر الحلول المالية، انتقل الملف إلى أعلى المستويات السياسية، حيث تولى رئيس الجمهورية شارل حلو والحكومة متابعة الأزمة ومحاولة احتواء تداعياتها.

وهكذا، لم تمضِ سوى سنتين على ولادة مصرف لبنان حتى وجد نفسه أمام أكبر أزمة مصرفية عرفها لبنان الحديث، في اختبار حاسم لدور المصرف المركزي وحدود تدخله، وللقدرة على التوفيق بين الحرية المصرفية التي صنعت ازدهار لبنان المالي، ومتطلبات الرقابة والاستقرار التي فرضتها الأزمات المتلاحقة.

كل المقالات