لم يدم طويلاً الأمل الذي رافق بداية عهد الرئيس أمين الجميل بعد انتخابه عام 1982. فسرعان ما عادت الضغوط الأمنية والسياسية لتلقي بثقلها على الاقتصاد اللبناني، في وقت كانت البلاد لا تزال تخرج من آثار الاجتياح الإسرائيلي.
كانت حرب الجبل وتداعيات التهجير والهجرة من أبرز العوامل التي ضغطت على الاقتصاد والليرة. وفي عام 1983 انخفض الناتج المحلي بنحو 25 في المئة، فيما سجل ميزان المدفوعات عجزاً بلغ 950 مليون دولار، للمرة الأولى منذ عام 1976. وتراجعت الليرة من نحو 3.80 ليرات للدولار في نهاية 1982 إلى 5.50 ليرات.
وزادت الضغوط مع خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، إذ خرج معها أكثر من 1.5 مليار دولار، ما حرم الاقتصاد من تدفقات بالعملات الأجنبية كانت تدخل البلاد بصورة غير مباشرة دعماً للمقاومة الفلسطينية.
في المقابل، واصلت الدولة الإنفاق بالعملات الأجنبية على حاجاتها الأساسية والعسكرية. فأنفقت نحو 900 مليون دولار على تسليح الجيش، وبلغت مدفوعاتها بالعملات الأجنبية خلال عامي 1983 و1984 حوالي 2.03 مليار دولار على السلاح والقمح والمحروقات ومشتريات أخرى. وكانت النتيجة تراجع احتياطي مصرف لبنان إلى أقل من 650 مليون دولار في نهاية 1984.
وسط هذا الوضع، برز خلاف متزايد حول حدود العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان. فالدولة، بحسب منتقدي تلك المرحلة، كانت تتعامل مع المصرف المركزي كمصدر تمويل متاح لتغطية حاجاتها، فيما حذر الحاكم ميشال الخوري من تداعيات استمرار هذا المسار.
وفي 15 كانون الثاني 1985، عُيّن الدكتور إدمون نعيم حاكماً جديداً لمصرف لبنان. وجاء تعيينه في مرحلة مالية شديدة التعقيد، ليبدأ عهده بالتأكيد على تطبيق أحكام قانون النقد والتسليف والحد من التمويل غير المنضبط للدولة.
وشهدت المرحلة أيضاً تحولاً في تركيبة القيادة النقدية، مع تعيين الدكتور حسين كنعان نائباً أول للحاكم، ليكون أول من يتولى هذا الموقع من الطائفة الشيعية، في سياق التحولات السياسية والطائفية التي كانت تعيشها البلاد.
لكن الأزمة المالية لم تكن منفصلة عن الانهيار السياسي. تفككت حكومة الوحدة الوطنية، دخلت مؤسسات الدولة في حالة شلل، ولم تعد هناك موازنة عامة، فيما ارتفع سعر الدولار إلى 18 ليرة في نهاية 1985، ولم تعد إيرادات الدولة تغطي أكثر من 14 في المئة من نفقاتها.
أمام هذا العجز، اتجهت الحكومة مجدداً إلى مصرف لبنان، مطالبة بتحويل أرباح إعادة تقييم الذهب والعملات وتمويل حاجاتها. إلا أن إدمون نعيم رفض اعتبار فروقات سعر الصرف أرباحاً فعلية قابلة للإنفاق، محذراً من أن ضخ المزيد من السيولة سيزيد الضغط على الليرة ويعمّق تراجع سعرها.
وكان مصرف لبنان قد موّل نحو 78 في المئة من حاجات الدولة، إلا أن نعيم رفض رفع سقف التسليف، مستنداً إلى قانون النقد والتسليف الذي لا يفرض على المصرف المركزي تمويل الدولة، بل يجيز له ذلك ضمن حدود لا تضر بالاستقرار النقدي.
وصل الخلاف إلى ملف المحروقات، بعدما أدى دعم أسعارها إلى استنزاف موارد تفوق ضعفي إيرادات الدولة. ومع تصاعد الأزمة، تدخل رئيس الحكومة رشيد كرامي للتوصل إلى تسوية، وافق بموجبها مصرف لبنان على تأمين التمويل الضروري فقط لرواتب الموظفين والحاجات التموينية الأساسية.
وهكذا، دخل مصرف لبنان في منتصف الثمانينات مرحلة جديدة: لم يعد التحدي يقتصر على حماية الليرة من تداعيات الحرب، بل أصبح يتمثل أيضاً في رسم حدود واضحة بين حاجات الدولة التمويلية واستقلال السياسة النقدية. وكانت هذه المواجهة بين السلطة المالية والسلطة النقدية واحدة من أبرز فصول الأزمة اللبنانية في النصف الثاني من الثمانينات.

