من إدارة الدين إلى الهندسات المالية: تثبيت الليرة وإنقاذ القطاع المصرفي
مع نهاية التسعينيات، لم يعد التحدي المالي في لبنان يقتصر على تمويل إعادة الإعمار، بل أصبح مرتبطاً بإدارة دين عام متضخم، مع الحفاظ على استقرار الليرة والقطاع المصرفي.
يؤكد رياض سلامة أن تحميل مصرف لبنان وحده مسؤولية نشوء الدين غير دقيق، لأن الدين ينتج أساساً من الموازنات التي تضعها الحكومة ويقرّها مجلس النواب. لكن المصرف المركزي وجد نفسه في قلب عملية إدارته، لمنع انعكاساته على الاستقرار النقدي.
في خريف 1998، انتُخب إميل لحود رئيساً للجمهورية، وخرج رفيق الحريري من السلطة، لتدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة. وفي هذا المناخ، كان على مصرف لبنان حماية الليرة بعيداً عن التجاذبات. وفي عام 1999، جُدّدت ولاية سلامة، واستقر سعر الصرف عند 1507.5 ليرة للدولار. وبحسبه، كان خفض قيمة الليرة سيزيد خطورة الدين، ما جعل تثبيت سعر الصرف جزءاً من معادلة الاستقرار المالي.
بعد انتخابات عام 2000، عاد الحريري إلى رئاسة الحكومة، فيما كان الدين قد تجاوز 150% من الناتج الوطني، وأصبحت خدمته تستهلك جزءاً كبيراً من الموازنة. وجاء مؤتمر باريس 1 بنحو 500 مليون دولار من الهبات والقروض الميسّرة، من دون أن يكون ذلك كافياً.
كذلك، أسهمت علاقات الحريري برئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد في تأمين دعم بقيمة 500 مليون دولار عبر سندات حكومية، ضمن محاولات توفير التمويل من دون خفض سعر الليرة.
بعد أحداث 11 أيلول 2001، تعزّز التعاون الدولي لمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال. وقد أُقرّ القانون 318 في نيسان 2001، قبل أن يخرج لبنان في حزيران 2002 من قائمة الدول غير المتعاونة. وتزامن ذلك مع تنظيم مهنة الصرافة لحماية سمعة النظام المصرفي وعلاقاته الخارجية.
في موازاة ذلك، مُدّد قانون دمج المصارف، ومُنحت المصارف الدامجة قروضاً طويلة الأجل من مصرف لبنان، تستخدم لشراء سندات خزينة، بما يتيح لها تحقيق هامش بين عائد السندات وكلفة التمويل. وبحسب الدكتور رمزي باز، بقيت كلفة إعادة الهيكلة محدودة مقارنة بفوائد حماية القطاع.
ومع التحضير لباريس 2، اقترح سلامة اكتتاب المصارف بنحو أربعة مليارات دولار، لمدة سنتين ومن دون فائدة، إضافة إلى استبدال 2.7 مليار دولار من ديون الدولة لمصرف لبنان بسندات أقل فائدة.
لكن كل مساهمات ومساعدات باريس 2 لم تؤد إلا لتأجيل المشاكل فكل ما طالب به المؤتمر من إصلاحات سياسية وإجراءات... لم تتحقق.
كل المقالات
