٣ أيلول ٢٠٢٦

من انهيار الليرة إلى بداية التثبيت: رياض سلامة ومصرف لبنان في مرحلة جديدة

بعد وصول الدولار إلى مستوى قياسي بلغ 2775 ليرة في آب 1992، دخل لبنان مرحلة مالية مختلفة مع تشكيل حكومة رفيق الحريري الأولى في نهاية تشرين الأول من العام نفسه. انعكس التغيير السياسي سريعاً على السوق، فتراجع الدولار إلى نحو 1840 ليرة، فيما ارتفع احتياطي مصرف لبنان إلى نحو 1.45 مليار دولار.

وساهم رفيق الحريري في تهدئة السوق عبر طرح دولارات في السوق من أمواله الشخصية، في خطوة ساعدت على وقف موجة المضاربة وإعادة سعر الصرف إلى مستويات أدنى.

لكن التحول الأهم جاء في الأول من آب 1993، مع تولي رياض سلامة حاكمية مصرف لبنان، في وقت كان الاقتصاد اللبناني لا يزال يخرج من آثار الحرب، والقطاع المصرفي يعاني من ضعف كبير في موجوداته ورساميله.

جاء سلامة من تجربة طويلة في الأسواق المالية الدولية، ومن خارج المنظومة السياسية والمصرفية اللبنانية التقليدية، الأمر الذي جعل القطاع المصرفي يتعامل معه في البداية بحذر. وكانت أمامه مهمة أساسية: إعادة الثقة بالليرة وإعادة إطلاق القطاع المصرفي.

تقاطعت رؤية الحاكم الجديد مع سياسة رفيق الحريري القائمة على تثبيت سعر صرف الليرة، ودعم عودة النشاط الاقتصادي والاستثماري. وبدأ مصرف لبنان يلعب دوراً أكثر فاعلية في الأسواق، سواء عبر التدخل في سوق القطع للحفاظ على استقرار سعر الصرف، أو عبر إدارة السيولة والفوائد، وشراء سندات الخزينة وإصدار شهادات الإيداع.

كما وسّع مصرف لبنان دوره ليشمل العملات الأجنبية المتداولة في الاقتصاد، وأصبح يوفر عمليات المقاصة لمختلف العملات داخل النظام المصرفي اللبناني.

في موازاة ذلك، كانت بيروت تستعيد تدريجياً صورتها بعد الحرب. انطلقت ورشة إعادة إعمار وسط العاصمة، واستقطبت سوليدير استثمارات كبيرة، فيما واكب مصرف لبنان هذه المرحلة بإنشاء السوق المالية الثانوية في بيروت ولجنة الأسواق المفتوحة.

وفي أيلول 1994، صدرت أول دفعة من سندات الخزينة بالعملات الأجنبية بهدف تمويل عودة المهجرين، فيما سجل الاقتصاد نمواً بلغ نحو 6%.

إلا أن مسار التعافي بدأ يتعرض للاهتزاز في عام 1995. فقد أدت التجاذبات السياسية حول التمديد للرئيس الياس الهراوي إلى ضغوط قوية على الليرة، وتكبد مصرف لبنان خسائر بلغت نحو 1.6 مليار دولار في سوق القطع، فيما ارتفعت فوائد سندات الخزينة إلى مستويات قياسية.

في تلك المرحلة، اختار مصرف لبنان عدم الاستمرار في ضخ السيولة أو شراء سندات الخزينة، خشية أن يؤدي المزيد من التمويل إلى زيادة المضاربة على الليرة وتهديد استقرار سعر الصرف.

وهكذا، بين عامي 1993 و1995، انتقل لبنان من مرحلة محاولة إنقاذ العملة بعد انهيارها إلى مرحلة إعادة بناء الثقة وتثبيت سعر الصرف وتنشيط القطاع المالي.

لكن الاستقرار النقدي لم يكن يعني أن المشكلة المالية انتهت. فمع تصاعد الإنفاق العام وتراكم الالتزامات، كان لبنان يتجه إلى مرحلة جديدة ستصبح فيها المديونية وتمويل الدولة العنوان الأبرز للسنوات المقبلة

كل المقالات