شهد لبنان خلال الفترة الممتدة من الحرب العالمية الثانية حتى منتصف الستينات تحولات عميقة في بنيته النقدية والمصرفية، شكّلت الأساس الذي قام عليه النظام المالي الحديث. هذه المرحلة لم تكن مجرد تطور اقتصادي تدريجي، بل مساراً معقداً تداخلت فيه الاعتبارات السياسية الإقليمية مع القرارات الاقتصادية الداخلية.
في صيف عام 1941، ومع دخول الجنرال ديغول إلى لبنان وسوريا ضمن كتلة الإسترليني بعد إخراج قوات فيشي، ارتبطت الليرة اللبنانية بالجنيه الإسترليني، في محاولة لضبط الاستقرار النقدي وسط انهيار النظام المالي الفرنسي. وبعد الاستقلال عام 1943، بدأت الدولة اللبنانية البحث عن صيغة أكثر استقلالاً لعملتها، بعيداً عن التقلبات الفرنسية.
ومع نهاية الأربعينات، اتجه لبنان نحو خيار نقدي حاسم. ففي عام 1948، تم توقيع اتفاق نقدي منفرد مع فرنسا، أدى عملياً إلى فصل الليرة اللبنانية عن الليرة السورية. وقد رافق ذلك إجراءات مالية داخلية أبرزها تحرير سوق القطع، وتثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ورفع نسبة تغطية الذهب، ما عزز الثقة بالعملة اللبنانية نسبياً.
لكن هذا المسار أدى أيضاً إلى توتر اقتصادي مع سوريا، وصل إلى حد القطيعة الجمركية عام 1950، وإلى اضطرابات في حركة العملات بين البلدين، خصوصاً مع أزمة “الأربعين مليون ليرة” وتبدل أنظمة الإصدار النقدي.
خلال الخمسينات، دخل لبنان مرحلة مختلفة تماماً. فمع اعتماد سياسة اقتصادية ليبرالية في عهد الرئيس كميل شمعون، تحولت بيروت إلى مركز مالي وتجاري إقليمي. وقد ساهمت عوامل عدة في هذا التحول، منها تدفق أموال المغتربين، ورساميل ما بعد نكبة فلسطين، والأموال النفطية الخليجية الناشئة، إضافة إلى الاستقرار النسبي مقارنة بدول المنطقة.
كما شكّل قانون السرية المصرفية الصادر عام 1956 نقطة تحول مفصلية، إذ ساهم في جذب الرساميل الأجنبية وتعزيز نمو القطاع المصرفي بشكل سريع، حيث ارتفع عدد المصارف من 14 مصرفاً إلى أكثر من 40 مصرفاً خلال سنوات قليلة.
غير أن هذا النمو السريع رافقه غياب واضح للرقابة والتنظيم، ما كشف هشاشة النظام خلال أزمات 1956 و1958، حيث شهد القطاع المصرفي موجات سحب ودائع وهروب رساميل، واضطر البنك المركزي آنذاك إلى ضخ سيولة كبيرة للحفاظ على الاستقرار.
بعد أزمة 1958، برزت الحاجة إلى إصلاح جذري. ومع وصول الرئيس فؤاد شهاب، بدأت مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة، خصوصاً في المجال المالي والنقدي. وقد رفض شهاب تجديد الاتفاقيات القديمة مع بنك سوريا ولبنان، مؤكداً ضرورة إنشاء مصرف مركزي مستقل يملك سلطة إدارة السياسة النقدية.
وبتكليف حكومي، تم إعداد مشروع قانون النقد والتسليف على يد الخبير جوزيف أجورليان، وسط اعتراضات من جمعية المصارف التي كانت تخشى تقييد نشاطها. ورغم ذلك، أُقر القانون في 1 آب 1963، ليشكل أول إطار قانوني شامل لتنظيم القطاع المصرفي وإنشاء مصرف لبنان كمؤسسة عامة مستقلة.
حدد القانون وظائف البنك المركزي في ثلاث مهام رئيسية: إصدار النقد، ضبط السيولة والتسليف، والحفاظ على استقرار سعر الصرف. كما فرض قواعد جديدة على المصارف، أبرزها رفع الحد الأدنى لرأس المال وتنظيم عملها ضمن مهلة انتقالية.
وفي 7 أيلول 1963، تم تعيين أول حاكم لمصرف لبنان فيليب تقلا، إلى جانب نوابه، وبدأت فعلياً مرحلة تأسيس السلطة النقدية الحديثة. بالتوازي، انطلقت ورشة بناء المقر الجديد لمصرف لبنان في بيروت، في منطقة الحمرا، ليكون رمزاً لمؤسسة نقدية ناشئة ذات طابع سيادي وتقني متقدم.
وبحلول عام 1964، ومع انتهاء امتياز الإصدار القديم، كان لبنان قد أنهى مرحلة طويلة من الانتقال من نظام نقدي مشتت إلى نظام مركزي منظم، وضع الأسس لاقتصاد مالي متطور، وإن كان يحمل في داخله أيضاً بذور التحديات البنيوية التي ستظهر لاحقاً.
كل المقالات