١٣ تموز ٢٠٢٦ · All من سقوط إنترا إلى العصر الذهبي: إعادة بناء الثقة المالية في لبنان

شكّل انهيار بنك إنترا في تشرين الأول 1966 أخطر أزمة مصرفية عرفها لبنان الحديث، لكنه تحوّل أيضاً إلى نقطة مفصلية أعادت رسم دور الدولة ومصرف لبنان في تنظيم القطاع المالي.

بدأت الأزمة عندما رفض يوسف بيدس، الموجود خارج لبنان، العودة للتوقيع على ميزانية البنك، كما رفض مجلس إدارة إنترا تحمّل المسؤولية القانونية عن البيانات المالية، ما دفع مجلس الوزراء إلى الامتناع عن تقديم السيولة المطلوبة، رغم إدراكه أن القرار سيؤدي عملياً إلى توقف المصرف عن الدفع.

في 15 تشرين الأول 1966، أقفل إنترا أبوابه، وسط ذعر واسع بين المودعين. وكان البنك يستحوذ على نحو 15% من إجمالي الودائع المصرفية في لبنان، ما هدد بانهيار القطاع بأكمله.

بعد أيام قليلة، اتخذ الرئيس شارل حلو والحكومة إجراءات استثنائية شملت إقفال المصارف مؤقتاً، ضخ السيولة الفورية، وتأمين خمسين مليون ليرة لصغار المودعين. كما أُدخلت تعديلات جوهرية على قانون النقد والتسليف، أبرزها إنشاء لجنة الرقابة على المصارف، والهيئة المصرفية العليا، ومؤسسة ضمان الودائع، إضافة إلى منح السلطات النقدية حق وضع اليد على المصارف المتعثرة.

ولم يكد لبنان يتجاوز صدمة إنترا حتى اندلعت حرب حزيران 1967، فتكرر الهلع المصرفي واضطرت الحكومة إلى إقفال المصارف أربعة أيام وتحديد السحوبات بألف ليرة للمودع الواحد.

في خضم هذه الظروف، عُيّن الياس سركيس حاكماً لمصرف لبنان في حزيران 1967، فقاد عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإنقاذ إنترا من الإفلاس الكامل. وفي تشرين الأول من العام نفسه، جرى تحويل كبار الدائنين إلى مساهمين في شركة إنترا للاستثمار برأسمال بلغ 280 مليون ليرة، فيما احتفظت المؤسسة بأصول استراتيجية مثل أسهم طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان.

بحلول 1968، كانت الثقة قد بدأت تعود تدريجياً. تراجع عدد المصارف من 88 إلى 72 بعد عمليات التنقية، وارتفعت الودائع إلى 3.65 مليارات ليرة، فيما حافظ الدولار على استقراره عند نحو 3.17 ليرات.

وخلال عهد الياس سركيس، اتخذ مصرف لبنان قراراً استراتيجياً بزيادة احتياطاته الذهبية. وبين 1970 و1971، راكم البنك المركزي أكثر من 9.2 ملايين أونصة ذهب، مستفيداً من السعر الرسمي البالغ 35 دولاراً للأونصة، قبل أيام فقط من قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى ذهب، وهو ما أدى لاحقاً إلى ارتفاع كبير في أسعار المعدن الأصفر.

بين 1970 و1974، عاش لبنان واحدة من أكثر فتراته ازدهاراً. ارتفعت أسعار النفط وتدفقت الرساميل العربية إلى بيروت، وتحولت المدينة إلى مركز مالي وإعلامي إقليمي. كما ارتفعت الميزانيات المجمعة للمصارف بنسبة 226% خلال ست سنوات، وسجّل لبنان فوائض في الموازنة وميزان المدفوعات.

لكن خلف هذا الازدهار، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة. فقد لاحظ مصرف لبنان تدفقاً غير اعتيادي على الليرة اللبنانية وانخفاضاً في سعر الدولار، قبل أن يتبين لاحقاً أن جهات مسلحة ودولاً إقليمية كانت تجمع كميات كبيرة من العملة اللبنانية استعداداً للمرحلة التي سبقت اندلاع حرب 1975.

وهكذا، انتقل لبنان خلال أقل من عقد من حافة الانهيار المصرفي بعد أزمة إنترا، إلى ذروة الازدهار المالي والنقدي، في مرحلة بدت للكثيرين وكأنها العصر الذهبي للاقتصاد اللبناني، لكنها كانت تحمل في طياتها بذور التحولات الكبرى التي ستنفجر لاحقاً.

كل المقالات