مقالات

لم يدم طويلاً الأمل الذي رافق بداية عهد الرئيس أمين الجميل بعد انتخابه عام 1982. فسرعان ما عادت الضغوط الأمنية والسياسية لتلقي بثقلها على الاقتصاد اللبناني، في وقت كانت البلاد لا تزال تخرج من آثار الاجتياح الإسرائيلي.

كانت حرب الجبل وتداعيات التهجير والهجرة من أبرز العوامل التي ضغطت على الاقتصاد والليرة. وفي عام 1983 انخفض الناتج المحلي بنحو 25 في المئة، فيما سجل ميزان المدفوعات عجزاً بلغ 950 مليون دولار، للمرة الأولى منذ عام 1976. وتراجعت الليرة من نحو 3.80 ليرات للدولار في نهاية 1982 إلى 5.50 ليرات.

وزادت الضغوط مع خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، إذ خرج معها أكثر من 1.5 مليار دولار، ما حرم الاقتصاد من تدفقات بالعملات الأجنبية كانت تدخل البلاد بصورة غير مباشرة دعماً للمقاومة الفلسطينية.

في المقابل، واصلت الدولة الإنفاق بالعملات الأجنبية على حاجاتها الأساسية والعسكرية. فأنفقت نحو 900 مليون دولار على تسليح الجيش، وبلغت مدفوعاتها بالعملات الأجنبية خلال عامي 1983 و1984 حوالي 2.03 مليار دولار على السلاح والقمح والمحروقات ومشتريات أخرى. وكانت النتيجة تراجع احتياطي مصرف لبنان إلى أقل من 650 مليون دولار في نهاية 1984.

وسط هذا الوضع، برز خلاف متزايد حول حدود العلاقة بين الدولة ومصرف لبنان. فالدولة، بحسب منتقدي تلك المرحلة، كانت تتعامل مع المصرف المركزي كمصدر تمويل متاح لتغطية حاجاتها، فيما حذر الحاكم ميشال الخوري من تداعيات استمرار هذا المسار.

وفي 15 كانون الثاني 1985، عُيّن الدكتور إدمون نعيم حاكماً جديداً لمصرف لبنان. وجاء تعيينه في مرحلة مالية شديدة التعقيد، ليبدأ عهده بالتأكيد على تطبيق أحكام قانون النقد والتسليف والحد من التمويل غير المنضبط للدولة.

وشهدت المرحلة أيضاً تحولاً في تركيبة القيادة النقدية، مع تعيين الدكتور حسين كنعان نائباً أول للحاكم، ليكون أول من يتولى هذا الموقع من الطائفة الشيعية، في سياق التحولات السياسية والطائفية التي كانت تعيشها البلاد.

لكن الأزمة المالية لم تكن منفصلة عن الانهيار السياسي. تفككت حكومة الوحدة الوطنية، دخلت مؤسسات الدولة في حالة شلل، ولم تعد هناك موازنة عامة، فيما ارتفع سعر الدولار إلى 18 ليرة في نهاية 1985، ولم تعد إيرادات الدولة تغطي أكثر من 14 في المئة من نفقاتها.

أمام هذا العجز، اتجهت الحكومة مجدداً إلى مصرف لبنان، مطالبة بتحويل أرباح إعادة تقييم الذهب والعملات وتمويل حاجاتها. إلا أن إدمون نعيم رفض اعتبار فروقات سعر الصرف أرباحاً فعلية قابلة للإنفاق، محذراً من أن ضخ المزيد من السيولة سيزيد الضغط على الليرة ويعمّق تراجع سعرها.

وكان مصرف لبنان قد موّل نحو 78 في المئة من حاجات الدولة، إلا أن نعيم رفض رفع سقف التسليف، مستنداً إلى قانون النقد والتسليف الذي لا يفرض على المصرف المركزي تمويل الدولة، بل يجيز له ذلك ضمن حدود لا تضر بالاستقرار النقدي.

وصل الخلاف إلى ملف المحروقات، بعدما أدى دعم أسعارها إلى استنزاف موارد تفوق ضعفي إيرادات الدولة. ومع تصاعد الأزمة، تدخل رئيس الحكومة رشيد كرامي للتوصل إلى تسوية، وافق بموجبها مصرف لبنان على تأمين التمويل الضروري فقط لرواتب الموظفين والحاجات التموينية الأساسية.

وهكذا، دخل مصرف لبنان في منتصف الثمانينات مرحلة جديدة: لم يعد التحدي يقتصر على حماية الليرة من تداعيات الحرب، بل أصبح يتمثل أيضاً في رسم حدود واضحة بين حاجات الدولة التمويلية واستقلال السياسة النقدية. وكانت هذه المواجهة بين السلطة المالية والسلطة النقدية واحدة من أبرز فصول الأزمة اللبنانية في النصف الثاني من الثمانينات.

في مطلع السبعينيات، كان لبنان يعيش ذروة ازدهاره المالي والمصرفي. فقد تحولت بيروت إلى مركز إقليمي للأعمال، وارتفعت السيولة في الأسواق إلى مستويات غير مسبوقة، حتى باتت المصارف اللبنانية تموّل مؤسسات ودولاً خارج الحدود، من بينها الجزائر، وشركة رينو الفرنسية، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، في مؤشر على الثقة التي حظيت بها الليرة اللبنانية والقطاع المصرفي آنذاك.

ورغم وفرة الأموال، رفضت الدولة اللبنانية الانجرار إلى سياسة الاقتراض. ويُروى أن المصارف حاولت إقناع الرئيس سليمان فرنجية بإصدار سندات خزينة لاستيعاب فائض السيولة، إلا أنه رفض قائلاً: "أنا على قدّ بساطي بمدّ رجليّ، وما عندي حاجة استدين."

لكن خلف هذا الازدهار، كانت مؤشرات القلق تتزايد. فمع نهاية عام 1974، أصبحت الميزانيات المجمعة للمصارف تعادل نحو 110% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو حجم تجاوز قدرة الاقتصاد الحقيقي، ما أثار مخاوف حاكم مصرف لبنان الياس سركيس من اقتراب مرحلة أكثر اضطراباً.

ومع تصاعد التوتر السياسي، درس مصرف لبنان إمكانية نقل احتياطاته الذهبية إلى مكان أكثر أماناً، إلا أن الخطة أُرجئت بسبب صعوبات لوجستية وخشية أن يؤدي نقل الذهب إلى اهتزاز الثقة بالليرة اللبنانية.

في ربيع عام 1975، اندلعت الحرب الأهلية، فسقطت سريعاً صورة الاستقرار التي تمتعت بها البلاد. دُمّر الوسط التجاري في بيروت، وتوقفت الجباية، وتضررت المرافئ والمؤسسات العامة، بينما انخفض الناتج المحلي من 3.4 مليارات دولار عام 1974 إلى نحو 2.1 مليار دولار عام 1976، وارتفع العجز المالي إلى مستويات غير مسبوقة.

ورغم وقوع مبنى مصرف لبنان داخل بيروت الغربية، واستهدافه من قبل الميليشيات خلال المعارك، بقي المصرف المركزي خارج الصراع المباشر، بعدما نجحت اتصالات سياسية وأمنية في منع اقتحامه، حمايةً لاحتياطاته الذهبية والنقدية التي كانت تمثل آخر ركائز الاستقرار المالي في البلاد.

وفي عام 1976، انتُخب الياس سركيس رئيساً للجمهورية، بعدما أمضى سنوات في قيادة مصرف لبنان. وشكّل إلى جانب رئيس الحكومة سليم الحص ووزير المالية فريد رفول فريقاً عمل على حماية القطاع المصرفي والمحافظة على استمراريته رغم الحرب.

وبحلول عام 1977، أطلق مصرف لبنان ما عُرف بـ"التصحيح المالي الثاني" بعد إصلاحات ما بعد أزمة إنترا. فمنح المصارف تسليفات استثنائية، وخفّض معدلات الحسم والاحتياطي الإلزامي، وسهّل إعادة جدولة الديون، في محاولة لدعم الاقتصاد وتمويل إعادة الإعمار والحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة.

وفي أيلول 1978، تولى ميشال الخوري حاكمية مصرف لبنان، ليواجه تحديات جديدة مع تجدد الحرب، والاجتياح الإسرائيلي للجنوب، وتصاعد المواجهات الداخلية. ومع اتساع المضاربات على الليرة والعقارات، رفع المصرف المركزي نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى 15%، واستخدم سندات الخزينة كأداة لامتصاص فائض السيولة والحد من المضاربات النقدية.

ورغم استمرار الحرب، واصل القطاع المصرفي تسجيل نمو لافت. فقد ارتفعت الودائع من نحو 3 مليارات دولار عام 1976 إلى ما يقارب 12 مليار دولار عام 1982، كما تجاوز احتياطي مصرف لبنان من الذهب والعملات الأجنبية ملياري دولار، واتسعت شبكة المصارف داخل لبنان وخارجه.

غير أن الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982 شكّل ضربة قاسية للاقتصاد اللبناني، بعدما دُمّرت بنى تحتية واسعة وتعرضت المراكز الاقتصادية والمصرفية لأضرار كبيرة، فيما تدخل مصرف لبنان لحماية فروعه والحفاظ على سرية الحسابات ومنع المساس بها خلال العمليات العسكرية.

ومع انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، عاد الأمل لفترة قصيرة بإمكانية إنهاء الحرب، لكن اغتياله بعد أسابيع أعاد البلاد إلى دوامة العنف. وعندما تولى الرئيس أمين الجميل الرئاسة، حافظ مصرف لبنان على احتياطيات تجاوزت 2.6 مليار دولار، وحقق أرباحاً مهمة حُولت إلى خزينة الدولة، إلا أن كلفة الاجتياح الإسرائيلي، وارتفاع الدين العام، وتدهور المالية العامة، كانت قد وضعت لبنان على بداية مسار اقتصادي جديد، سيقود تدريجياً إلى أزمة الانهيار التي ستتفاقم خلال الثمانينيات.

وهكذا، تمتد هذه المرحلة بين عامي 1974 و1982 من ذروة القوة المالية للبنان إلى بداية تآكلها تحت وطأة الحرب، لتشكل الفصل الأخير من عصر الازدهار، وبداية مرحلة طويلة من التحديات الاقتصادية والنقدية.

شكّل انهيار بنك إنترا في تشرين الأول 1966 أخطر أزمة مصرفية عرفها لبنان الحديث، لكنه تحوّل أيضاً إلى نقطة مفصلية أعادت رسم دور الدولة ومصرف لبنان في تنظيم القطاع المالي.

بدأت الأزمة عندما رفض يوسف بيدس، الموجود خارج لبنان، العودة للتوقيع على ميزانية البنك، كما رفض مجلس إدارة إنترا تحمّل المسؤولية القانونية عن البيانات المالية، ما دفع مجلس الوزراء إلى الامتناع عن تقديم السيولة المطلوبة، رغم إدراكه أن القرار سيؤدي عملياً إلى توقف المصرف عن الدفع.

في 15 تشرين الأول 1966، أقفل إنترا أبوابه، وسط ذعر واسع بين المودعين. وكان البنك يستحوذ على نحو 15% من إجمالي الودائع المصرفية في لبنان، ما هدد بانهيار القطاع بأكمله.

بعد أيام قليلة، اتخذ الرئيس شارل حلو والحكومة إجراءات استثنائية شملت إقفال المصارف مؤقتاً، ضخ السيولة الفورية، وتأمين خمسين مليون ليرة لصغار المودعين. كما أُدخلت تعديلات جوهرية على قانون النقد والتسليف، أبرزها إنشاء لجنة الرقابة على المصارف، والهيئة المصرفية العليا، ومؤسسة ضمان الودائع، إضافة إلى منح السلطات النقدية حق وضع اليد على المصارف المتعثرة.

ولم يكد لبنان يتجاوز صدمة إنترا حتى اندلعت حرب حزيران 1967، فتكرر الهلع المصرفي واضطرت الحكومة إلى إقفال المصارف أربعة أيام وتحديد السحوبات بألف ليرة للمودع الواحد.

في خضم هذه الظروف، عُيّن الياس سركيس حاكماً لمصرف لبنان في حزيران 1967، فقاد عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإنقاذ إنترا من الإفلاس الكامل. وفي تشرين الأول من العام نفسه، جرى تحويل كبار الدائنين إلى مساهمين في شركة إنترا للاستثمار برأسمال بلغ 280 مليون ليرة، فيما احتفظت المؤسسة بأصول استراتيجية مثل أسهم طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان.

بحلول 1968، كانت الثقة قد بدأت تعود تدريجياً. تراجع عدد المصارف من 88 إلى 72 بعد عمليات التنقية، وارتفعت الودائع إلى 3.65 مليارات ليرة، فيما حافظ الدولار على استقراره عند نحو 3.17 ليرات.

وخلال عهد الياس سركيس، اتخذ مصرف لبنان قراراً استراتيجياً بزيادة احتياطاته الذهبية. وبين 1970 و1971، راكم البنك المركزي أكثر من 9.2 ملايين أونصة ذهب، مستفيداً من السعر الرسمي البالغ 35 دولاراً للأونصة، قبل أيام فقط من قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى ذهب، وهو ما أدى لاحقاً إلى ارتفاع كبير في أسعار المعدن الأصفر.

بين 1970 و1974، عاش لبنان واحدة من أكثر فتراته ازدهاراً. ارتفعت أسعار النفط وتدفقت الرساميل العربية إلى بيروت، وتحولت المدينة إلى مركز مالي وإعلامي إقليمي. كما ارتفعت الميزانيات المجمعة للمصارف بنسبة 226% خلال ست سنوات، وسجّل لبنان فوائض في الموازنة وميزان المدفوعات.

لكن خلف هذا الازدهار، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة. فقد لاحظ مصرف لبنان تدفقاً غير اعتيادي على الليرة اللبنانية وانخفاضاً في سعر الدولار، قبل أن يتبين لاحقاً أن جهات مسلحة ودولاً إقليمية كانت تجمع كميات كبيرة من العملة اللبنانية استعداداً للمرحلة التي سبقت اندلاع حرب 1975.

وهكذا، انتقل لبنان خلال أقل من عقد من حافة الانهيار المصرفي بعد أزمة إنترا، إلى ذروة الازدهار المالي والنقدي، في مرحلة بدت للكثيرين وكأنها العصر الذهبي للاقتصاد اللبناني، لكنها كانت تحمل في طياتها بذور التحولات الكبرى التي ستنفجر لاحقاً.

يُعدّ احتياطي الذهب اللبناني من أبرز الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها الدولة، إذ تبلغ الاحتياطيات الرسمية نحو 286.8 طن، أي ما يعادل حوالي 9.9 مليون أونصة من الذهب. ووفق هذه الكمية، يحتل لبنان المرتبة العشرين عالمياً من حيث حجم احتياطات الذهب، والمرتبة الثانية عربياً بعد المملكة العربية السعودية.

ويتوزع هذا المخزون بين الداخل والخارج، حيث تُحفَظ نحو 6.6 مليون أونصة في غرفة محصنة داخل مصرف لبنان، فيما أُودع نحو 3.3 مليون أونصة، أي ما يقارب ثلث الاحتياطي، في منشأة فورت نوكس بولاية كنتاكي في الولايات المتحدة الأميركية. وقد تم إيداع هذا الجزء خلال الحرب اللبنانية، خشية تعرضه للمخاطر الناجمة عن الظروف الأمنية آنذاك، بما في ذلك تهديدات الميليشيات والجيش الإسرائيلي والمنظمات الفلسطينية.

وتحظى هذه الأرقام بتوثيق دولي، إذ جرى التحقق من مطابقة مخزون الذهب للبند الخاص به في ميزانية مصرف لبنان ضمن عملية تدقيق دولية. وقد نفّذت شركة ASS Inspection UK هذه المهمة بتكليف من KPMG وبالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وشملت عملية التدقيق معاينة أكثر من 13 ألف سبيكة ذهبية ونحو 600 ألف عملة ذهبية، للتأكد من مطابقة الموجودات الفعلية للسجلات الرسمية.

وفي ظل الأزمة المالية التي يعيشها لبنان، يطرح كثيرون سؤالاً حول إمكانية الاستفادة من هذا الاحتياطي في المساهمة بإنقاذ البلاد. إلا أن الإجابة على هذا السؤال ترتبط بالخيارات القانونية والاقتصادية والسياسية التي تحكم إدارة هذا الأصل الاستراتيجي، وهو نقاش يختلف عن الوقائع المتعلقة بحجم الاحتياطي ومكان وجوده، والتي تؤكد أن لبنان يمتلك واحداً من أكبر احتياطات الذهب في المنطقة والعالم.

شكّل الأول من نيسان عام 1964 محطة مفصلية في التاريخ المالي اللبناني، مع انتقال صلاحيات إصدار العملة وإدارة السياسة النقدية رسمياً إلى مصرف لبنان. وبعد سنوات من التحضير والإصلاحات التي أطلقت في عهد الرئيس فؤاد شهاب، دخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها السيادة النقدية الكاملة.

وقبيل انطلاق العمل الرسمي للمصرف المركزي، استكملت التحضيرات اللوجستية والإدارية في المقر الجديد الذي شُيّد في منطقة الحمرا خلال فترة قياسية. وفي الثلاثين من آذار 1964، تفقد الرئيس فؤاد شهاب المبنى الجديد الذي أُنجز ضمن الموازنة المقررة، ليصبح أحد أبرز معالم دولة المؤسسات التي سعى إلى ترسيخها.

وفي اليوم التالي، أُسدلت الستارة على مرحلة امتدت لعقود مع بنك سوريا ولبنان، وبدأ عهد الليرة اللبنانية التي يصدرها مصرف لبنان حصراً. كما انتقل نحو 320 موظفاً من بنك سوريا ولبنان إلى المؤسسة الجديدة، فيما تحوّل البنك السابق إلى مصرف تجاري عادي.

ومن أبرز المحطات الرمزية في تلك الليلة، عملية نقل احتياطي الذهب من خزائن بنك سوريا ولبنان في شارع رياض الصلح إلى خزائن مصرف لبنان الجديد، بإشراف الجيش اللبناني وقوى الأمن، في عملية أمنية دقيقة عكست أهمية الحدث وحساسيته.

خلال الأشهر الأولى، لاقت الليرة اللبنانية الجديدة إقبالاً واسعاً من اللبنانيين المقيمين والمغتربين، فارتفع حجم النقد المتداول بنحو 6 في المئة. وفي الوقت نفسه، عمل مصرف لبنان على شراء العملات الأجنبية من السوق لتكوين احتياطاته وتعزيز استقرار العملة الوطنية.

لكن النجاح الأولي لم يلغِ التحديات. فمع توسع القطاع المصرفي وارتفاع عدد المصارف إلى 93 مصرفاً، بدأت تظهر مؤشرات اختلالات مالية في بعض المؤسسات. وسرعان ما واجهت السلطة النقدية الناشئة سلسلة أزمات مصرفية شملت البنك العقاري والبنك التجاري ومصرف سوجيكس، ما فرض تدخلاً سريعاً لتفادي انتقال العدوى إلى بقية القطاع.

وقد جرى احتواء هذه الأزمات عبر تطبيق القوانين التجارية القائمة، فتمت تصفية بعض المؤسسات المتعثرة وإخضاع أخرى لإجراءات حماية قانونية، في أول اختبار فعلي لقدرة مصرف لبنان والدولة على إدارة الأزمات المالية.

غير أن التحدي الأكبر كان لا يزال في الطريق. ففي خريف عام 1966، انفجرت أزمة بنك إنترا، أكبر مؤسسة مصرفية في لبنان والشرق الأوسط آنذاك. وكان البنك الذي أسسه يوسف بيدس قد بنى إمبراطورية مالية امتدت من لبنان إلى العواصم العربية والأفريقية والغربية، مستفيداً من تدفق الودائع العربية والفلسطينية بشكل خاص.

لكن التوسع السريع ترافق مع توظيفات طويلة الأمد ومشاريع ضخمة لم تترك هامشاً كافياً للسيولة النقدية. وعندما اندلعت أزمة الثقة في الأسواق المالية وبدأ المودعون المطالبة بأموالهم، وجد البنك نفسه عاجزاً عن تلبية السحوبات المتزايدة.

حاول مصرف لبنان التدخل عبر تقديم تسهيلات وسيولة طارئة مقابل ضمانات مصرفية، إلا أن حجم الأزمة تجاوز قدراته وحدود صلاحياته القانونية. ومع تعثر الحلول المالية، انتقل الملف إلى أعلى المستويات السياسية، حيث تولى رئيس الجمهورية شارل حلو والحكومة متابعة الأزمة ومحاولة احتواء تداعياتها.

وهكذا، لم تمضِ سوى سنتين على ولادة مصرف لبنان حتى وجد نفسه أمام أكبر أزمة مصرفية عرفها لبنان الحديث، في اختبار حاسم لدور المصرف المركزي وحدود تدخله، وللقدرة على التوفيق بين الحرية المصرفية التي صنعت ازدهار لبنان المالي، ومتطلبات الرقابة والاستقرار التي فرضتها الأزمات المتلاحقة.

من قلب بيروت، تقف الأبنية شاهدة على تحولات الزمن، لكن قلّة منها تختزن في جدرانها ذاكرة وطن كاملة كما يفعل مصرف لبنان. فالتاريخ، مهما تبدّلت أجياله وتغيّرت وجوهه، يترك أثره في الأمكنة التي تبقى صامتة لكنها تروي الكثير. وهكذا بدا مصرف لبنان، المنتصب في قلب العاصمة، شاهداً على مسيرة بلد عاش الازدهار والانهيار، الحرب والسلم، قوة الليرة وانكسارها، لكنه حافظ دائماً على رمزيتين ثابتتين: علم واحد، وليرة واحدة، ومصرف مركزي واحد.

قبل ولادة مصرف لبنان بسنوات طويلة، كان لبنان جزءاً من منظومة نقدية عثمانية تديرها مؤسسة مالية عُرفت بالبنك السلطاني العثماني، وهو بنك ذو إدارة أوروبية بطابع فرنسي، تولّى النشاط المالي والمصرفي في السلطنة. يومها كانت بيروت مدينة متوسطية مزدهرة، تتكئ على مرفئها الحيوي وتشكل حلقة وصل تجارية بين أوروبا وبلاد الشام، ما جعلها مركزاً مالياً ناشئاً منذ أواخر القرن التاسع عشر.

ومع دخول قوات الحلفاء بقيادة الجنرال أللنبي خلال الحرب العالمية الأولى، بدأ التحوّل النقدي الكبير في المنطقة. فقد سعت الإدارة البريطانية إلى إنهاء النظام النقدي العثماني واستبداله بالجنيه المصري المرتبط بالجنيه الإسترليني، فمُنعت الأوراق النقدية العثمانية من التداول، ما خلق حالة من الفوضى النقدية وعدم الثقة، دفعت السكان إلى الاعتماد لفترة طويلة على العملات المعدنية، خصوصاً في المناطق الداخلية.

لكن المشهد تبدّل مجدداً مع بداية الانتداب الفرنسي سنة 1919. إذ وجدت فرنسا نفسها أمام واقع نقدي مضطرب، فلجأت إلى إنشاء “بنك سوريا” ليكون امتداداً عملياً للبنك العثماني، ويتولى إصدار العملة ضمن الأراضي الخاضعة للنفوذ الفرنسي وفق اتفاقية سايكس – بيكو. وقد مثّل تأسيس هذا البنك انتقالاً فعلياً من النظام النقدي العثماني إلى النظام النقدي الفرنسي.

وفي الثاني من نيسان عام 1920، صدر القرار الذي ألغى التداول بالجنيه المصري وأنشأ الليرة السورية المرتبطة مباشرة بالفرنك الفرنسي. وبعد إعلان دولة لبنان الكبير، وُلدت سنة 1924 “الليرة اللبنانية السورية”، ضمن نظام نقدي موحّد بين لبنان وسوريا، تولّى إدارته “بنك سوريا ولبنان الكبير”، الذي مُنح حق إصدار العملة وإدارة الشؤون المالية، وإن لم يكن يؤدي فعلياً دور المصرف المركزي بالمفهوم الحديث.

ومع إعلان الجمهورية اللبنانية سنة 1926، تحولت بيروت إلى عاصمة سياسية ومالية ناشئة، فيما توسّع دور بنك سوريا ولبنان ليصبح المؤسسة المالية الأبرز في البلاد، يدير الفروع ويؤدي وظائف القطاع العام والمصرف التجاري الأكبر. وقد جرى لاحقاً تجديد امتياز البنك بين عامي 1939 و1964 لمدة خمسة وعشرين عاماً، ما عزّز موقعه كمؤسسة مالية محورية في لبنان وسوريا خلال مرحلة الانتداب وما بعدها.

وشهدت أربعينيات القرن الماضي تحولات نقدية مفصلية ارتبطت بالتحولات السياسية العالمية والإقليمية. ففي عام 1942، انفصلت الليرة اللبنانية عن الفرنك الفرنسي، في خطوة عكست تراجع النفوذ النقدي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية وبداية تشكّل سياسة نقدية أكثر استقلالية. ثم جاء عام 1948 ليشكّل محطة حاسمة مع الانفصال الكامل بين الليرة اللبنانية والليرة السورية، بعدما كان البلدان يتشاركان نظاماً نقدياً موحداً منذ عشرينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الليرة اللبنانية عملة وطنية مستقلة بالكامل، تعبّر عن السيادة النقدية اللبنانية وتواكب نشوء الدولة الحديثة.

لكن رغم هذا التطور، فإن غياب القوانين والرقابة المصرفية الفعلية آنذاك فتح الباب أمام فوضى مالية واسعة، حيث كان بإمكان أي تاجر أن يتحول إلى “مصرفي” من دون تراخيص أو احتياطات مالية أو رقابة قانونية، ما أدى إلى موجات من الإفلاسات والأزمات في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، واستمر تأثير بعضها حتى بدايات الاستقلال.

وسط هذه التحولات، كانت الحاجة تكبر إلى إنشاء مؤسسة نقدية وطنية حقيقية تنظم القطاع وتحمي العملة وتؤسس لاستقرار مالي طويل الأمد. ومن هنا، بدأت تتبلور تدريجياً فكرة مصرف لبنان كمصرف مركزي مستقل يجسد سيادة الدولة النقدية ويحمل مسؤولية الحفاظ على الليرة اللبنانية، إلى أن أبصر النور رسمياً في ستينيات القرن الماضي، ليصبح لاحقاً أحد أبرز رموز الدولة اللبنانية الحديثة.

إن تاريخ النقد في لبنان ليس مجرد حكاية عملات تبدّلت أو مصارف تأسست، بل هو مرآة للتحولات السياسية والاقتصادية التي عاشها البلد والمنطقة. فمن العهد العثماني إلى الانتداب الفرنسي، ومن الجنيه المصري إلى الليرة اللبنانية المستقلة، بقيت بيروت في قلب المعادلة المالية للمشرق، وبقي مصرف لبنان، رغم كل الأزمات، شاهداً على قرن كامل من التحولات اللبنانية.

شهد لبنان خلال الفترة الممتدة من الحرب العالمية الثانية حتى منتصف الستينات تحولات عميقة في بنيته النقدية والمصرفية، شكّلت الأساس الذي قام عليه النظام المالي الحديث. هذه المرحلة لم تكن مجرد تطور اقتصادي تدريجي، بل مساراً معقداً تداخلت فيه الاعتبارات السياسية الإقليمية مع القرارات الاقتصادية الداخلية.

في صيف عام 1941، ومع دخول الجنرال ديغول إلى لبنان وسوريا ضمن كتلة الإسترليني بعد إخراج قوات فيشي، ارتبطت الليرة اللبنانية بالجنيه الإسترليني، في محاولة لضبط الاستقرار النقدي وسط انهيار النظام المالي الفرنسي. وبعد الاستقلال عام 1943، بدأت الدولة اللبنانية البحث عن صيغة أكثر استقلالاً لعملتها، بعيداً عن التقلبات الفرنسية.

ومع نهاية الأربعينات، اتجه لبنان نحو خيار نقدي حاسم. ففي عام 1948، تم توقيع اتفاق نقدي منفرد مع فرنسا، أدى عملياً إلى فصل الليرة اللبنانية عن الليرة السورية. وقد رافق ذلك إجراءات مالية داخلية أبرزها تحرير سوق القطع، وتثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ورفع نسبة تغطية الذهب، ما عزز الثقة بالعملة اللبنانية نسبياً.

لكن هذا المسار أدى أيضاً إلى توتر اقتصادي مع سوريا، وصل إلى حد القطيعة الجمركية عام 1950، وإلى اضطرابات في حركة العملات بين البلدين، خصوصاً مع أزمة “الأربعين مليون ليرة” وتبدل أنظمة الإصدار النقدي.

خلال الخمسينات، دخل لبنان مرحلة مختلفة تماماً. فمع اعتماد سياسة اقتصادية ليبرالية في عهد الرئيس كميل شمعون، تحولت بيروت إلى مركز مالي وتجاري إقليمي. وقد ساهمت عوامل عدة في هذا التحول، منها تدفق أموال المغتربين، ورساميل ما بعد نكبة فلسطين، والأموال النفطية الخليجية الناشئة، إضافة إلى الاستقرار النسبي مقارنة بدول المنطقة.

كما شكّل قانون السرية المصرفية الصادر عام 1956 نقطة تحول مفصلية، إذ ساهم في جذب الرساميل الأجنبية وتعزيز نمو القطاع المصرفي بشكل سريع، حيث ارتفع عدد المصارف من 14 مصرفاً إلى أكثر من 40 مصرفاً خلال سنوات قليلة.

غير أن هذا النمو السريع رافقه غياب واضح للرقابة والتنظيم، ما كشف هشاشة النظام خلال أزمات 1956 و1958، حيث شهد القطاع المصرفي موجات سحب ودائع وهروب رساميل، واضطر البنك المركزي آنذاك إلى ضخ سيولة كبيرة للحفاظ على الاستقرار.

بعد أزمة 1958، برزت الحاجة إلى إصلاح جذري. ومع وصول الرئيس فؤاد شهاب، بدأت مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة، خصوصاً في المجال المالي والنقدي. وقد رفض شهاب تجديد الاتفاقيات القديمة مع بنك سوريا ولبنان، مؤكداً ضرورة إنشاء مصرف مركزي مستقل يملك سلطة إدارة السياسة النقدية.

وبتكليف حكومي، تم إعداد مشروع قانون النقد والتسليف على يد الخبير جوزيف أجورليان، وسط اعتراضات من جمعية المصارف التي كانت تخشى تقييد نشاطها. ورغم ذلك، أُقر القانون في 1 آب 1963، ليشكل أول إطار قانوني شامل لتنظيم القطاع المصرفي وإنشاء مصرف لبنان كمؤسسة عامة مستقلة.

حدد القانون وظائف البنك المركزي في ثلاث مهام رئيسية: إصدار النقد، ضبط السيولة والتسليف، والحفاظ على استقرار سعر الصرف. كما فرض قواعد جديدة على المصارف، أبرزها رفع الحد الأدنى لرأس المال وتنظيم عملها ضمن مهلة انتقالية.

وفي 7 أيلول 1963، تم تعيين أول حاكم لمصرف لبنان فيليب تقلا، إلى جانب نوابه، وبدأت فعلياً مرحلة تأسيس السلطة النقدية الحديثة. بالتوازي، انطلقت ورشة بناء المقر الجديد لمصرف لبنان في بيروت، في منطقة الحمرا، ليكون رمزاً لمؤسسة نقدية ناشئة ذات طابع سيادي وتقني متقدم.

وبحلول عام 1964، ومع انتهاء امتياز الإصدار القديم، كان لبنان قد أنهى مرحلة طويلة من الانتقال من نظام نقدي مشتت إلى نظام مركزي منظم، وضع الأسس لاقتصاد مالي متطور، وإن كان يحمل في داخله أيضاً بذور التحديات البنيوية التي ستظهر لاحقاً.

في صيف عام 1941، أدخل قائد فرنسا الحرة الجنرال شارل ديغول لبنان وسوريا إلى منطقة الإسترليني بعد إخراج قوات حكومة فيشي الفرنسية، فأصبحت الليرة مرتبطة مباشرة بالجنيه الإسترليني. وجاء هذا التحول في وقت كانت فيه فرنسا تعيش انهياراً اقتصادياً ومالياً نتيجة الحرب، ما دفع السلطات اللبنانية بعد الاستقلال عام 1943 إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً للنظام النقدي القائم على الفرنك الفرنسي المتداعي.

وبحسب شهادات عدد من الاقتصاديين الذين عاصروا تلك المرحلة، شهدت بيروت ودمشق وشتورا اجتماعات متواصلة بين ممثلين عن لبنان وسوريا وفرنسا وبريطانيا، بهدف نقل الضمانة النقدية من الفرنك الفرنسي إلى الاحتياطي الإسترليني. وبرز في تلك المفاوضات دور شخصيات سياسية واقتصادية مثل الوزير اللبناني حميد فرنجية ورئيس الحكومة السورية خالد العظم.

لكن المصالح الاقتصادية والسياسية بين البلدين بدأت تتباعد تدريجياً. ففي السادس من شباط عام 1948، وقّع لبنان اتفاقاً نقدياً منفرداً مع فرنسا، أدى عملياً إلى فصل الليرة اللبنانية عن الليرة السورية. وأثار القرار توتراً حاداً مع دمشق، خصوصاً بعدما دعت السلطات اللبنانية المواطنين إلى استبدال الليرات السورية المتداولة في لبنان خلال مهلة قصيرة جداً.

ورغم التوتر السياسي مع سوريا، اختار لبنان المضي في سياسة اقتصادية أكثر انفتاحاً. فأعلن الرئيس بشارة الخوري التمسك بالحرية الاقتصادية والتجارية، وصدر قانون تحرير سوق القطع، تلاه قانون النقد عام 1949 الذي رفع نسبة تغطية الذهب إلى 33 في المئة من الكتلة النقدية، كما جرى تثبيت سعر صرف الليرة على أساس 3.25 ليرات للدولار الواحد.

هذه السياسات عززت الثقة بالعملة اللبنانية، ودفعت أعداداً كبيرة من حاملي الليرة السورية إلى تحويل أموالهم إلى لبنان، ما شكّل ضغطاً متزايداً على الاقتصاد السوري. وبعد عام واحد فقط من الانفصال النقدي، ارتفعت قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 12 في المئة مقارنة بالليرة السورية.

وفي المقابل، اندلعت أزمة ما عُرف بـ”الأربعين مليون ليرة”، بعدما ظهرت كميات ضخمة من العملة السورية داخل السوق اللبنانية. وردّت دمشق بإغلاق الحدود ومنع دخول الليرات السورية وإصدار عملة جديدة، قبل أن يكرّس رئيس الحكومة السورية خالد العظم عام 1950 القطيعة الاقتصادية والجمركية مع لبنان.

ورغم هذا الانفصال الحاد، دخل لبنان خلال خمسينات القرن العشرين مرحلة ازدهار اقتصادي سريع، خصوصاً في عهد الرئيس كميل شمعون الذي تبنّى سياسة ليبرالية منفتحة على الغرب. واستفادت بيروت من موقعها كمدينة مفتوحة على التجارة والخدمات والقطاع المالي، في وقت كانت المنطقة العربية تشهد انقلابات عسكرية وسياسات تأميم واضطرابات سياسية متتالية.

وتدفقت إلى لبنان أموال المغتربين، ورساميل فلسطينية بعد نكبة 1948، إضافة إلى أموال خليجية مرتبطة ببدايات الطفرة النفطية. كما لعب قانون السرية المصرفية الصادر عام 1956، باقتراح من النائب ريمون إدّه، دوراً محورياً في تحويل لبنان إلى مركز مالي إقليمي.

وخلال سنوات قليلة، تضاعف حجم القطاع المصرفي بشكل كبير، وارتفع عدد المصارف من 14 مصرفاً عام 1950 إلى أكثر من 40 مصرفاً. إلا أن هذا النمو السريع جرى في ظل غياب شبه كامل للرقابة والتنظيم النقدي، إذ لم يكن هناك قانون حديث للنقد والتسليف ولا سلطة رقابية فعلية على عمل المصارف.

هذا الضعف البنيوي ظهر بوضوح خلال أزمة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين واجهت المصارف اللبنانية موجة هلع وسحب كثيف للودائع، ما اضطر بنك سوريا ولبنان إلى ضخ سيولة إضافية قُدّرت بأربعين مليون ليرة لإنقاذ القطاع.

ثم جاءت أحداث عام 1958، المعروفة بـ”الحرب الأهلية الصغيرة”، لتكشف هشاشة النظام المالي بشكل أعمق، مع هروب الرساميل وتراجع السيولة وشلل اقتصادي واسع تزامن مع نزول قوات المارينز الأميركية إلى لبنان.

بعد الأزمة، أدرك الرئيس فؤاد شهاب ضرورة إعادة تنظيم الدولة ومؤسساتها المالية والنقدية. وزادت قناعته بالحاجة إلى الإصلاح بعد تقرير سلبي أعدّه موفد صندوق النقد الدولي كاسينغ حول أوضاع الاقتصاد اللبناني.

وفي هذا السياق، أُنشئ مجلس النقد والتسليف عام 1959، بهدف إعداد قانون حديث ينظم القطاع المالي والمصرفي. وشكّل المجلس خطوة تأسيسية نحو بناء الدولة المالية الحديثة، وصولاً إلى اقتراب انتهاء امتياز إصدار العملة الممنوح لبنك سوريا ولبنان عام 1964، وهي المرحلة التي مهّدت لاحقاً لولادة مصرف لبنان كسلطة نقدية مستقلة.

هكذا، لم يكن تطور النظام النقدي اللبناني مجرد مسار اقتصادي تقني، بل كان انعكاساً مباشراً للتحولات السياسية والإقليمية والدولية التي عاشها لبنان والمنطقة. وبين الليبرالية الاقتصادية والطموح الإصلاحي، تشكّل النموذج اللبناني الذي جمع بين الحرية المالية والهشاشة البنيوية، وهي معادلة ستترك آثارها العميقة على تاريخ لبنان الاقتصادي لعقود طويلة.

بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، فات لبنان بمرحلة إعادة إعمار بقيادة رفيق الحريري، وكان في محاولة يبنوا اقتصاد حديث. بهالفترة، تثبّت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وخلق نوع من الاستقرار، بس بالحقيقة كان الاقتصاد عم يعتمد بشكل كبير على الديون وتدفّق الدولار من برّا.

بس بـ2005، اغتيال الحريري شكّل ضربة قوية. تراجعت الثقة، وخرج الجيش السوري من لبنان، بس رغم هالتغييرات، النظام النقدي ضلّ ماشي على نفس النهج، معتمد على تثبيت العملة.

بين 2011 و2018، ومع تأثير الحرب بسوريا، خفّت الاستثمارات وارتفع الدين العام. مصرف لبنان لجأ لسياسات مالية معقّدة ليحافظ على الاستقرار، بس هالاستقرار كان هشّ.

بالـ2019، ومع احتجاجات لبنان 2019، بلّشت الأزمة الحقيقية. الناس فقدت ثقتها بالمصارف، والليرة بلّشت تنهار بسرعة.

وبـ2020، أعلنت الدولة التخلّف عن سداد ديونها، وبعدها صار انفجار مرفأ بيروت، يلي زاد الطين بلّة وعمّق الانهيار الاقتصادي.

خلال 2021 و2022، صار في تضخّم كبير وتعدّد بأسعار الصرف، وصار النظام النقدي شبه مفكّك.

ومن 2023 لحدّ 2026، ترسّخ واقع جديد: اقتصاد قائم على الدولار والكاش، والليرة فقدت دورها كعملة للادخار.

بالخلاصة، انهيار الليرة ما كان فجأة، بل نتيجة سنين من سياسات مالية غير مستدامة، كانت عم تخبّي ضعف الاقتصاد لحد ما انفجرت الأزمة.