١٩٤٣–٢٠٢٦ · All مصرف لبنان… حارس الليرة وشاهد قرنٍ من التحولات

من قلب بيروت، تقف الأبنية شاهدة على تحولات الزمن، لكن قلّة منها تختزن في جدرانها ذاكرة وطن كاملة كما يفعل مصرف لبنان. فالتاريخ، مهما تبدّلت أجياله وتغيّرت وجوهه، يترك أثره في الأمكنة التي تبقى صامتة لكنها تروي الكثير. وهكذا بدا مصرف لبنان، المنتصب في قلب العاصمة، شاهداً على مسيرة بلد عاش الازدهار والانهيار، الحرب والسلم، قوة الليرة وانكسارها، لكنه حافظ دائماً على رمزيتين ثابتتين: علم واحد، وليرة واحدة، ومصرف مركزي واحد.

قبل ولادة مصرف لبنان بسنوات طويلة، كان لبنان جزءاً من منظومة نقدية عثمانية تديرها مؤسسة مالية عُرفت بالبنك السلطاني العثماني، وهو بنك ذو إدارة أوروبية بطابع فرنسي، تولّى النشاط المالي والمصرفي في السلطنة. يومها كانت بيروت مدينة متوسطية مزدهرة، تتكئ على مرفئها الحيوي وتشكل حلقة وصل تجارية بين أوروبا وبلاد الشام، ما جعلها مركزاً مالياً ناشئاً منذ أواخر القرن التاسع عشر.

ومع دخول قوات الحلفاء بقيادة الجنرال أللنبي خلال الحرب العالمية الأولى، بدأ التحوّل النقدي الكبير في المنطقة. فقد سعت الإدارة البريطانية إلى إنهاء النظام النقدي العثماني واستبداله بالجنيه المصري المرتبط بالجنيه الإسترليني، فمُنعت الأوراق النقدية العثمانية من التداول، ما خلق حالة من الفوضى النقدية وعدم الثقة، دفعت السكان إلى الاعتماد لفترة طويلة على العملات المعدنية، خصوصاً في المناطق الداخلية.

لكن المشهد تبدّل مجدداً مع بداية الانتداب الفرنسي سنة 1919. إذ وجدت فرنسا نفسها أمام واقع نقدي مضطرب، فلجأت إلى إنشاء “بنك سوريا” ليكون امتداداً عملياً للبنك العثماني، ويتولى إصدار العملة ضمن الأراضي الخاضعة للنفوذ الفرنسي وفق اتفاقية سايكس – بيكو. وقد مثّل تأسيس هذا البنك انتقالاً فعلياً من النظام النقدي العثماني إلى النظام النقدي الفرنسي.

وفي الثاني من نيسان عام 1920، صدر القرار الذي ألغى التداول بالجنيه المصري وأنشأ الليرة السورية المرتبطة مباشرة بالفرنك الفرنسي. وبعد إعلان دولة لبنان الكبير، وُلدت سنة 1924 “الليرة اللبنانية السورية”، ضمن نظام نقدي موحّد بين لبنان وسوريا، تولّى إدارته “بنك سوريا ولبنان الكبير”، الذي مُنح حق إصدار العملة وإدارة الشؤون المالية، وإن لم يكن يؤدي فعلياً دور المصرف المركزي بالمفهوم الحديث.

ومع إعلان الجمهورية اللبنانية سنة 1926، تحولت بيروت إلى عاصمة سياسية ومالية ناشئة، فيما توسّع دور بنك سوريا ولبنان ليصبح المؤسسة المالية الأبرز في البلاد، يدير الفروع ويؤدي وظائف القطاع العام والمصرف التجاري الأكبر. وقد جرى لاحقاً تجديد امتياز البنك بين عامي 1939 و1964 لمدة خمسة وعشرين عاماً، ما عزّز موقعه كمؤسسة مالية محورية في لبنان وسوريا خلال مرحلة الانتداب وما بعدها.

وشهدت أربعينيات القرن الماضي تحولات نقدية مفصلية ارتبطت بالتحولات السياسية العالمية والإقليمية. ففي عام 1942، انفصلت الليرة اللبنانية عن الفرنك الفرنسي، في خطوة عكست تراجع النفوذ النقدي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية وبداية تشكّل سياسة نقدية أكثر استقلالية. ثم جاء عام 1948 ليشكّل محطة حاسمة مع الانفصال الكامل بين الليرة اللبنانية والليرة السورية، بعدما كان البلدان يتشاركان نظاماً نقدياً موحداً منذ عشرينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الليرة اللبنانية عملة وطنية مستقلة بالكامل، تعبّر عن السيادة النقدية اللبنانية وتواكب نشوء الدولة الحديثة.

لكن رغم هذا التطور، فإن غياب القوانين والرقابة المصرفية الفعلية آنذاك فتح الباب أمام فوضى مالية واسعة، حيث كان بإمكان أي تاجر أن يتحول إلى “مصرفي” من دون تراخيص أو احتياطات مالية أو رقابة قانونية، ما أدى إلى موجات من الإفلاسات والأزمات في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، واستمر تأثير بعضها حتى بدايات الاستقلال.

وسط هذه التحولات، كانت الحاجة تكبر إلى إنشاء مؤسسة نقدية وطنية حقيقية تنظم القطاع وتحمي العملة وتؤسس لاستقرار مالي طويل الأمد. ومن هنا، بدأت تتبلور تدريجياً فكرة مصرف لبنان كمصرف مركزي مستقل يجسد سيادة الدولة النقدية ويحمل مسؤولية الحفاظ على الليرة اللبنانية، إلى أن أبصر النور رسمياً في ستينيات القرن الماضي، ليصبح لاحقاً أحد أبرز رموز الدولة اللبنانية الحديثة.

إن تاريخ النقد في لبنان ليس مجرد حكاية عملات تبدّلت أو مصارف تأسست، بل هو مرآة للتحولات السياسية والاقتصادية التي عاشها البلد والمنطقة. فمن العهد العثماني إلى الانتداب الفرنسي، ومن الجنيه المصري إلى الليرة اللبنانية المستقلة، بقيت بيروت في قلب المعادلة المالية للمشرق، وبقي مصرف لبنان، رغم كل الأزمات، شاهداً على قرن كامل من التحولات اللبنانية.

كل المقالات