١٨ تموز ٢٠٢٦ · All من ازدهار ما قبل الحرب إلى بدايات الانهيار: مصرف لبنان في مواجهة الحروب (1974 – 1982)

في مطلع السبعينيات، كان لبنان يعيش ذروة ازدهاره المالي والمصرفي. فقد تحولت بيروت إلى مركز إقليمي للأعمال، وارتفعت السيولة في الأسواق إلى مستويات غير مسبوقة، حتى باتت المصارف اللبنانية تموّل مؤسسات ودولاً خارج الحدود، من بينها الجزائر، وشركة رينو الفرنسية، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، في مؤشر على الثقة التي حظيت بها الليرة اللبنانية والقطاع المصرفي آنذاك.

ورغم وفرة الأموال، رفضت الدولة اللبنانية الانجرار إلى سياسة الاقتراض. ويُروى أن المصارف حاولت إقناع الرئيس سليمان فرنجية بإصدار سندات خزينة لاستيعاب فائض السيولة، إلا أنه رفض قائلاً: "أنا على قدّ بساطي بمدّ رجليّ، وما عندي حاجة استدين."

لكن خلف هذا الازدهار، كانت مؤشرات القلق تتزايد. فمع نهاية عام 1974، أصبحت الميزانيات المجمعة للمصارف تعادل نحو 110% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو حجم تجاوز قدرة الاقتصاد الحقيقي، ما أثار مخاوف حاكم مصرف لبنان الياس سركيس من اقتراب مرحلة أكثر اضطراباً.

ومع تصاعد التوتر السياسي، درس مصرف لبنان إمكانية نقل احتياطاته الذهبية إلى مكان أكثر أماناً، إلا أن الخطة أُرجئت بسبب صعوبات لوجستية وخشية أن يؤدي نقل الذهب إلى اهتزاز الثقة بالليرة اللبنانية.

في ربيع عام 1975، اندلعت الحرب الأهلية، فسقطت سريعاً صورة الاستقرار التي تمتعت بها البلاد. دُمّر الوسط التجاري في بيروت، وتوقفت الجباية، وتضررت المرافئ والمؤسسات العامة، بينما انخفض الناتج المحلي من 3.4 مليارات دولار عام 1974 إلى نحو 2.1 مليار دولار عام 1976، وارتفع العجز المالي إلى مستويات غير مسبوقة.

ورغم وقوع مبنى مصرف لبنان داخل بيروت الغربية، واستهدافه من قبل الميليشيات خلال المعارك، بقي المصرف المركزي خارج الصراع المباشر، بعدما نجحت اتصالات سياسية وأمنية في منع اقتحامه، حمايةً لاحتياطاته الذهبية والنقدية التي كانت تمثل آخر ركائز الاستقرار المالي في البلاد.

وفي عام 1976، انتُخب الياس سركيس رئيساً للجمهورية، بعدما أمضى سنوات في قيادة مصرف لبنان. وشكّل إلى جانب رئيس الحكومة سليم الحص ووزير المالية فريد رفول فريقاً عمل على حماية القطاع المصرفي والمحافظة على استمراريته رغم الحرب.

وبحلول عام 1977، أطلق مصرف لبنان ما عُرف بـ"التصحيح المالي الثاني" بعد إصلاحات ما بعد أزمة إنترا. فمنح المصارف تسليفات استثنائية، وخفّض معدلات الحسم والاحتياطي الإلزامي، وسهّل إعادة جدولة الديون، في محاولة لدعم الاقتصاد وتمويل إعادة الإعمار والحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة.

وفي أيلول 1978، تولى ميشال الخوري حاكمية مصرف لبنان، ليواجه تحديات جديدة مع تجدد الحرب، والاجتياح الإسرائيلي للجنوب، وتصاعد المواجهات الداخلية. ومع اتساع المضاربات على الليرة والعقارات، رفع المصرف المركزي نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى 15%، واستخدم سندات الخزينة كأداة لامتصاص فائض السيولة والحد من المضاربات النقدية.

ورغم استمرار الحرب، واصل القطاع المصرفي تسجيل نمو لافت. فقد ارتفعت الودائع من نحو 3 مليارات دولار عام 1976 إلى ما يقارب 12 مليار دولار عام 1982، كما تجاوز احتياطي مصرف لبنان من الذهب والعملات الأجنبية ملياري دولار، واتسعت شبكة المصارف داخل لبنان وخارجه.

غير أن الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982 شكّل ضربة قاسية للاقتصاد اللبناني، بعدما دُمّرت بنى تحتية واسعة وتعرضت المراكز الاقتصادية والمصرفية لأضرار كبيرة، فيما تدخل مصرف لبنان لحماية فروعه والحفاظ على سرية الحسابات ومنع المساس بها خلال العمليات العسكرية.

ومع انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، عاد الأمل لفترة قصيرة بإمكانية إنهاء الحرب، لكن اغتياله بعد أسابيع أعاد البلاد إلى دوامة العنف. وعندما تولى الرئيس أمين الجميل الرئاسة، حافظ مصرف لبنان على احتياطيات تجاوزت 2.6 مليار دولار، وحقق أرباحاً مهمة حُولت إلى خزينة الدولة، إلا أن كلفة الاجتياح الإسرائيلي، وارتفاع الدين العام، وتدهور المالية العامة، كانت قد وضعت لبنان على بداية مسار اقتصادي جديد، سيقود تدريجياً إلى أزمة الانهيار التي ستتفاقم خلال الثمانينيات.

وهكذا، تمتد هذه المرحلة بين عامي 1974 و1982 من ذروة القوة المالية للبنان إلى بداية تآكلها تحت وطأة الحرب، لتشكل الفصل الأخير من عصر الازدهار، وبداية مرحلة طويلة من التحديات الاقتصادية والنقدية.

كل المقالات