من الإعمار إلى الدين: معركة إدارة الدين العام
لم تكن مهمة رياض سلامة، بعد تولّيه حاكمية مصرف لبنان، محصورة بتثبيت سعر الصرف. فلبنان الخارج من الحرب كان أمام تحدٍّ مالي كبير: كيف يعيد بناء اقتصاده ويموّل حاجات الدولة، من دون أن يتحول تمويل الإنفاق إلى ضغط جديد على الليرة والاستقرار النقدي؟
في بداية التسعينيات، بدا المشهد واعداً. بعد توحيد العاصمة وتراجع التوترات، تدفقت الرساميل وبدأت ورشة إعادة الإعمار. ارتفع الناتج المحلي سنة 1991 بنسبة 57%، وسجّل ميزان المدفوعات فائضاً تجاوز ملياراً و70 مليون دولار، فيما تراجع الدولار من 1150 إلى 880 ليرة.
لكن إعادة الإعمار كانت تحتاج إلى إنفاق كبير، فيما كانت مالية الدولة لا تزال مثقلة بإرث الحرب.
وهنا بدأت تبرز مسألة إدارة الدين العام كواحدة من أهم التحديات المالية في المرحلة الجديدة.
لم تكن إدارة الدين تعني أن مصرف لبنان يمول الدولة وحده، بل قامت على منظومة أوسع شاركت فيها الدولة والمصارف التجارية ومصرف لبنان. كانت الدولة تصدر سندات الخزينة، والمصارف تكتتب بها، فيما كان مصرف لبنان يتدخل في السوق لإدارة السيولة والفوائد والقطع، من خلال شراء السندات الحكومية وإصدار شهادات الإيداع وغيرها من الأدوات النقدية.
وكان التحدي يكمن في إيجاد التوازن بين حاجات الدولة إلى التمويل وبين ضرورة الحفاظ على استقرار الليرة.
هذا التوازن أصبح أكثر صعوبة مع منتصف التسعينيات.
فبعد حرب عناقيد الغضب عام 1996، وتصاعد التوتر السياسي والاجتماعي، ارتفع الدين العام من نحو 3 مليارات دولار عام 1992 إلى 13 مليار دولار عام 1996.
ومع استمرار الإنفاق وارتفاع كلفة خدمة الدين، بلغ عجز الموازنة عام 1997 نحو 60%.
عندها عاد مصرف لبنان إلى موقع أكثر حساسية في عملية التمويل. ومع تراجع قدرة السوق على استيعاب حاجات الدولة، اضطر المصرف المركزي إلى تمويل العجز عبر الاستدانة وخلق النقد، الأمر الذي عرّضه لحملة واسعة من الانتقادات.
وهنا ظهرت المفارقة: المؤسسة التي كانت تعمل على تثبيت سعر الصرف وحماية الاستقرار النقدي، أصبحت في الوقت نفسه جزءاً أساسياً من منظومة تمويل الدولة وإدارة الدين.
فكلما احتاجت الدولة إلى المزيد من التمويل، كان على مصرف لبنان أن يوازن بين تأمين السيولة من جهة، ومنع هذه السيولة من التحول إلى ضغط إضافي على الليرة والفوائد من جهة أخرى.
وبذلك انتقل لبنان تدريجياً من مرحلة إعادة الإعمار إلى مرحلة الاستمرار بالدين وزيادة الدين العام، وبدأت تتشكل العلاقة المالية المعقدة بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان، وهي العلاقة التي ستصبح لاحقاً أحد أبرز مفاتيح النموذج المالي اللبناني.
كل المقالات
