من شراء الوقت إلى الـDefault
كيف وصلت الدولة اللبنانية إلى التخلّف عن السداد؟
لم يصل لبنان إلى قرار التوقف عن دفع ديونه في آذار 2020 بصورة مفاجئة. فما وُصف شعبياً بـ«إفلاس الدولة» كان، من الناحية المالية، أول تخلّف سيادي عن السداد منذ الاستقلال، ونتيجة تراكمات امتدت سنوات قبل أن تنفجر مع انهيار الثقة والسيولة.
في عام 2018، ظهرت بوضوح علامات اختناق النموذج المالي. فالإصلاحات المطلوبة للحصول على تمويل مؤتمر «سيدر»، البالغ نحو 11.5 مليار دولار، بقيت معلّقة، فيما تسارع خروج الرساميل. وبين أيار وتشرين الثاني، خرج من لبنان نحو خمسة مليارات دولار، وخسر مصرف لبنان 4.4 مليارات دولار من احتياطاته بالعملات الأجنبية.
كانت المؤشرات الاقتصادية تعكس عمق الأزمة: نمو دون نصف في المئة، وعجز تجاري تجاوز 17 مليار دولار، وعجز في ميزان المدفوعات تخطى أربعة مليارات. وبلغ الدين العام 86 مليار دولار، بينما استهلكت فوائده 46.9% من إيرادات الدولة، ووصل عجز الموازنة إلى 6.2 مليارات دولار، أي 11.4% من الناتج المحلي.
اعتمدت الدولة بصورة متزايدة على المصارف ومصرف لبنان لتمويل عجزها، فيما احتاج تثبيت سعر الصرف إلى تدفقات مستمرة بالدولار. وأمّنت الهندسات المالية الوقت والسيولة، لكنها لم تعالج أصل المشكلة: إنفاق عام مرتفع، وإيرادات غير كافية، واقتصاد ضعيف الإنتاج، وتأجيل دائم للإصلاح.
خلال عام 2019، تحولت المخاوف إلى أزمة ثقة مفتوحة. تراجعت التصنيفات الائتمانية، وارتفعت فوائد اليوروبوندز، وتسارع خروج الأموال. وبدأت المصارف بفرض قيود غير معلنة على السحوبات والتحويلات، قبل أن يؤدي إقفالها بعد احتجاجات 17 تشرين الأول إلى ضربة قاسية لما تبقى من الثقة.
وفي نهاية العام، كانت الودائع قد تراجعت 12 مليار دولار، وبلغ الدين العام 91 ملياراً، وسجّل ميزان المدفوعات عجزاً تجاوز خمسة مليارات دولار، فيما أنهى الدولار السنة عند 2245 ليرة في السوق الموازية.
في مطلع عام 2020، واجهت الدولة استحقاقات يوروبوند وفوائد بقيمة 4.6 مليارات دولار، أولها 1.2 مليار دولار في التاسع من آذار. ومع بلوغ احتياطات العملات الأجنبية مستوى حرجاً، وانقسام الآراء بين سداد الاستحقاقات والمحافظة على السيولة لتمويل الحاجات الأساسية، اقترب لبنان من القرار الأصعب.
في السابع من آذار، أعلنت الحكومة تعليق سداد الاستحقاق، ثم قررت في الثالث والعشرين منه وقف دفع جميع سندات اليوروبوندز. وللمرة الأولى منذ الاستقلال، دخل لبنان رسمياً مرحلة التخلّف السيادي عن السداد.
لم يكن الـDefault سبب الأزمة، بل لحظة إعلانها رسمياً: حصيلة دين متراكم، وعجز مزمن، وتثبيت مكلف للعملة، وارتهان لتدفقات الدولار، وإصلاحات تأخرت حتى نفد الوقت.
كل المقالات
