
في صيف عام 1941، أدخل قائد فرنسا الحرة الجنرال شارل ديغول لبنان وسوريا إلى منطقة الإسترليني بعد إخراج قوات حكومة فيشي الفرنسية، فأصبحت الليرة مرتبطة مباشرة بالجنيه الإسترليني. وجاء هذا التحول في وقت كانت فيه فرنسا تعيش انهياراً اقتصادياً ومالياً نتيجة الحرب، ما دفع السلطات اللبنانية بعد الاستقلال عام 1943 إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً للنظام النقدي القائم على الفرنك الفرنسي المتداعي.
وبحسب شهادات عدد من الاقتصاديين الذين عاصروا تلك المرحلة، شهدت بيروت ودمشق وشتورا اجتماعات متواصلة بين ممثلين عن لبنان وسوريا وفرنسا وبريطانيا، بهدف نقل الضمانة النقدية من الفرنك الفرنسي إلى الاحتياطي الإسترليني. وبرز في تلك المفاوضات دور شخصيات سياسية واقتصادية مثل الوزير اللبناني حميد فرنجية ورئيس الحكومة السورية خالد العظم.
لكن المصالح الاقتصادية والسياسية بين البلدين بدأت تتباعد تدريجياً. ففي السادس من شباط عام 1948، وقّع لبنان اتفاقاً نقدياً منفرداً مع فرنسا، أدى عملياً إلى فصل الليرة اللبنانية عن الليرة السورية. وأثار القرار توتراً حاداً مع دمشق، خصوصاً بعدما دعت السلطات اللبنانية المواطنين إلى استبدال الليرات السورية المتداولة في لبنان خلال مهلة قصيرة جداً.
ورغم التوتر السياسي مع سوريا، اختار لبنان المضي في سياسة اقتصادية أكثر انفتاحاً. فأعلن الرئيس بشارة الخوري التمسك بالحرية الاقتصادية والتجارية، وصدر قانون تحرير سوق القطع، تلاه قانون النقد عام 1949 الذي رفع نسبة تغطية الذهب إلى 33 في المئة من الكتلة النقدية، كما جرى تثبيت سعر صرف الليرة على أساس 3.25 ليرات للدولار الواحد.
هذه السياسات عززت الثقة بالعملة اللبنانية، ودفعت أعداداً كبيرة من حاملي الليرة السورية إلى تحويل أموالهم إلى لبنان، ما شكّل ضغطاً متزايداً على الاقتصاد السوري. وبعد عام واحد فقط من الانفصال النقدي، ارتفعت قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 12 في المئة مقارنة بالليرة السورية.
وفي المقابل، اندلعت أزمة ما عُرف بـ”الأربعين مليون ليرة”، بعدما ظهرت كميات ضخمة من العملة السورية داخل السوق اللبنانية. وردّت دمشق بإغلاق الحدود ومنع دخول الليرات السورية وإصدار عملة جديدة، قبل أن يكرّس رئيس الحكومة السورية خالد العظم عام 1950 القطيعة الاقتصادية والجمركية مع لبنان.
ورغم هذا الانفصال الحاد، دخل لبنان خلال خمسينات القرن العشرين مرحلة ازدهار اقتصادي سريع، خصوصاً في عهد الرئيس كميل شمعون الذي تبنّى سياسة ليبرالية منفتحة على الغرب. واستفادت بيروت من موقعها كمدينة مفتوحة على التجارة والخدمات والقطاع المالي، في وقت كانت المنطقة العربية تشهد انقلابات عسكرية وسياسات تأميم واضطرابات سياسية متتالية.
وتدفقت إلى لبنان أموال المغتربين، ورساميل فلسطينية بعد نكبة 1948، إضافة إلى أموال خليجية مرتبطة ببدايات الطفرة النفطية. كما لعب قانون السرية المصرفية الصادر عام 1956، باقتراح من النائب ريمون إدّه، دوراً محورياً في تحويل لبنان إلى مركز مالي إقليمي.
وخلال سنوات قليلة، تضاعف حجم القطاع المصرفي بشكل كبير، وارتفع عدد المصارف من 14 مصرفاً عام 1950 إلى أكثر من 40 مصرفاً. إلا أن هذا النمو السريع جرى في ظل غياب شبه كامل للرقابة والتنظيم النقدي، إذ لم يكن هناك قانون حديث للنقد والتسليف ولا سلطة رقابية فعلية على عمل المصارف.
هذا الضعف البنيوي ظهر بوضوح خلال أزمة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين واجهت المصارف اللبنانية موجة هلع وسحب كثيف للودائع، ما اضطر بنك سوريا ولبنان إلى ضخ سيولة إضافية قُدّرت بأربعين مليون ليرة لإنقاذ القطاع.
ثم جاءت أحداث عام 1958، المعروفة بـ”الحرب الأهلية الصغيرة”، لتكشف هشاشة النظام المالي بشكل أعمق، مع هروب الرساميل وتراجع السيولة وشلل اقتصادي واسع تزامن مع نزول قوات المارينز الأميركية إلى لبنان.
بعد الأزمة، أدرك الرئيس فؤاد شهاب ضرورة إعادة تنظيم الدولة ومؤسساتها المالية والنقدية. وزادت قناعته بالحاجة إلى الإصلاح بعد تقرير سلبي أعدّه موفد صندوق النقد الدولي كاسينغ حول أوضاع الاقتصاد اللبناني.
وفي هذا السياق، أُنشئ مجلس النقد والتسليف عام 1959، بهدف إعداد قانون حديث ينظم القطاع المالي والمصرفي. وشكّل المجلس خطوة تأسيسية نحو بناء الدولة المالية الحديثة، وصولاً إلى اقتراب انتهاء امتياز إصدار العملة الممنوح لبنك سوريا ولبنان عام 1964، وهي المرحلة التي مهّدت لاحقاً لولادة مصرف لبنان كسلطة نقدية مستقلة.
هكذا، لم يكن تطور النظام النقدي اللبناني مجرد مسار اقتصادي تقني، بل كان انعكاساً مباشراً للتحولات السياسية والإقليمية والدولية التي عاشها لبنان والمنطقة. وبين الليبرالية الاقتصادية والطموح الإصلاحي، تشكّل النموذج اللبناني الذي جمع بين الحرية المالية والهشاشة البنيوية، وهي معادلة ستترك آثارها العميقة على تاريخ لبنان الاقتصادي لعقود طويلة.
كل المقالات